العصفور الأول
العصفور
الأول
منذ زمن وأنا أحاول. أقولها هكذا،
«أحاول»، لأن الفرح الصغير لا يجيء من تلقاء نفسه؛ عليّ أن أُعِدّ له مكانًا، كما
تُعَدّ المائدة لضيف قد لا يأتي.
وما أدفعه ثمنًا ليس مالًا، ولا هو
الوقت حتى. الثمن هو أن أعطي لنفسي الإذن: أن أترك حاجات الجميع
معلّقة عشرين دقيقة، وألّا أسمّي هذه الدقائق كسلًا. أسميها دقائق الانتباه.
هذا الصباح خرجتُ بقهوتي إلى
الحديقة. كنتُ قد نثرتُ الحَبّ في طبق قبل ذلك، فجلستُ قبالته. الشجرة أمامي
مزدحمة بالعصافير، ولا شيء يتحرك.
ثم نزل واحد. وحده. لم يقصد الطبق
مباشرة؛ ظلّ يرفرف فوقه كأنه يجسّ الهواء قبل أن يأتمنه، ثم حطّ في الوسط تمامًا
وراح ينقر على مهل. لحظات، وانهمر الباقون من الأغصان، عشرات، حتى غاب الطبق
تحتهم.
لا أدري أكان أجرأهم، أم أصغرهم،
أم من جاء دوره. لكنّ الترتيب كان محكمًا: واحد، فصمت، فالجميع. كان شيء ما
يُمتحَن، الحَبّ أو الهواء أو المرأة الجالسة تحدّق، ولما أعطاهم الأمان تحرّك
السرب كله بها.
وحين انتبهتُ إلى أنني جزء من
الامتحان ابتسمتُ. كنتُ أحسبني التي تراقب، وكان العصفور يحسب العكس: كنت بالنسبة
له كتلة كبيرة غريبة أمام طعامه، وهي موضع السؤال. هل يحكم عليّ بالأمان ؟ هو كائن
ضئيل له كل الحق في الارتياب، وكان حكمه علي شرف كبير: أنا غير مؤذيه وعليه سمح
للباقين بالتهام الحبوب بسلام.
وبعد دقيقة أو اثنتين ارتفعوا
معًا، كأن إشارة وصلتهم، وعادوا إلى الشجرة. ثم نزل واحد، فالبقية، ثم الانسحاب.
وكلما تكرّر المشهد صرتُ أسمعه بدل أن أراه. ظننتُ أول الأمر أن الإيقاع في
الأجنحة، لكنّ الأجنحة تفصيل. الموجة هي الحركة كلها: يُقبل السرب، وينبسط على
الطبق، ويتراجع، ثم يُقبل من جديد. ومن جلس يومًا على شاطئ يعرف ما يفعله هذا
بالصدر؛ يخفّ فيه شيء كان مشدودًا، لأن هذا الإيقاع لا ينتظر مني أن أمسك به. هو
ببساطه إيقاع طبيعي كأمواج البحر.
وعلى السلك فوقنا جلست حمامات
قليلة، تنظر. بقيت في مكانها والعصافير تأكل، كأنها تنتظر أن تشبع. وهي أضخم
وأثقل، وكان بوسعها أن تنتزع الطبق عنوة، ولم تفعل. لم يكن في انتظارها ما يشبه
الخوف؛ كان أقرب إلى الأدب. كدتُ أصف ماحدث بأنه «تعاون وتعايش»، ثم توقفت. هو
أقرب للترتيب، وهناك من يتنحّى. قد يكون
ذوقًا وقد يكون حذرًا، فالحمامة بين أربعين عصفورًا تبدو خرقاء. لا أعرف. غير أن
التعايش، فيما أظن، لا يعني أن يغيب التراتب، بل أن يُحفَظ بلا كلام، والحمامات
على السلك كانت تحفظه.
مثل غيري
من مرتادي السوشيال ميديا أنا أيضًا أحب مشاهدة تلك المقاطع القصيرة للحيوانات
الصغيرة، تسليني وتسرّني. أحيانا أشاهد العشرات من تلك "الريلز" اللطيفة
تباعا حتى انتبه لضياع الوقت وتراكم المهام. لكنّ ما رأيته هذا الصباح في الحديقة أخذني أكثر منها، وأردتُ أن أعرف
لماذا، لأن الجواب بدا لي أكبر من العصافير. المقطع علي الهاتف مشهد اختاره غيري. قصّ منه الملل وأبقى
اللحظة الحلوة، وأضاف الموسيقى، وصنعه ليُرى في ثوانٍ ويُنسى. لا يطلب مني شيئًا،
فلا يعطيني إلا قليلًا. أما مراقبة الطيور في الحديقة فلا مونتاج فيها. فيها فراغ:
طبق لم يمسّه أحد، وشجرة مكتظة بطيور لا تتحرك، وتلك اللحظة الطويلة قبل أن يقرّر العصفور
الأول أن يستكشف. وهذا الفراغ ليس عيبًا في المشهد؛ هو الذي أعطى النزول معناه،
فجرأة العصفور لا تُرى إلا على خلفية التردد الذي سبقها.
وما شدّني أكثر من ذلك كله هو
النمط، وهذا لا يعطيه أي مقطع. الفيديو يُريك حادثة، أما النمط فيتطلب مرور الزمن.
عليك أن تبقى حتى ترى الشيء يقع مرة، ومرتين، وثلاثة، فتكفّ عن متابعة واقعة وتبدأ
في معرفة عادة من عادات الدنيا. هذا لا يُرسَل إليك. عليك أن تجلس فيه وتتمعنه.
وهنا الفرق، في ظني: المقطع
يُستهلَك، والحديقة تُشهَد. الأول بلا ثمن فيُنفَق في الحال، والثانية ثمنها
انتباه، والانتباه هو العملة الوحيدة التي تشتري ما تقول عنه «لي». لم تكن
العصافير أجمل مما على شاشتي. كانت لي فقط لأنني انتظرتُها. راقبتها وسمعتها
ورأيتها واستمتعت بها فصارت جزءا مبهجا من يومي.
كنتُ أحسب أن الفرح بالأشياء
الصغيرة موهبة، تُمنح لناس وتُحجب عن آخرين. لم أعد أحسب ذلك. هو قرار أن تبقى في
المكان حتى يكرّر المكان نفسه. القهوة كانت الحجة. نزلت العصافير وانسحبت ونزلت،
ولم يكن عليّ في تلك الدقائق إلا أن أترك المدّ يأتي فأمتن لوجودي داخله.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق