الأحد، 27 أكتوبر 2019

رسالة من المستقبل

This guest blog is written by my friend Noha Ibrahim.  It is a letter written by her future self....





 عزيزتي نهى :

أرسل إليكِ من عام ٢٠٢٩ .. أنا نهى "ذاتك" .. لقد استغرقني الأمر عشر سنوات كاملة حتى أستطيع أن أكتب إليكِ .. فلم يكن الأمر سهلا في كل الأوقات .. بل كان صعبًا في بعض الأحيان .. قاسيًا في أحيانٍ أخرى .. ولكن رائعًا في نهاية الأمر .. عبرت الكثير من الألم .. كانت التجربة أشبه بطريقة طهي طعامٍ حار .. البصل يتطلب المزيد من الدموع الساخنة حتى يُقطّع إلى قطعٍ صغيرة شهية .. ومن هنا نحتاج إلى كمية وفيرة من قلوب الطماطم المعصورة والمصفاة لآخر قطرة .. عزيزتي .. تلك القلوب قد تبدو قوية ذات قوام متماسك ولكن تستطيع الأنامل القاسية أن تعصرها دونما أي إحساسٍ بوخز الضمير .. فهي يا عزيزتي مجرد طماطم شهية ..!
أتذكر قول أحدهم لي عما أسماه بنظرية " الماء العذب " فهو يرى أن الماء لابد أن يمر بعمليات التكرير والتصفية والتنقية والتقطير وكل ذلك كي يصبح عذبًا .. فالعذوبة نتيجة للعذاب إلى حد كبير .. لابد لنا أن نتعذب في حياتنا حتى نستوعب الدرس في النهاية فتصبح أرواحنا "عذبة" نقية كذلك الماء .. على كل حال إنكِ على الأرجح لن تصدقي تلك الترهات .. عزيزتي .. هي تجربتكِ وعليكِ اجتيازها بحرية تامة .. لا تضعي كلامي نصب عينيكِ فأنا غيركِ وأنتِ غيري ..

إلى هنا تصبح الأكلة باللون الأحمر بفضل القلوب المعصورة .. واللون الأحمر يا حلوتي هو لون الحياة بكل ما بها .. هو لون الفرح ولون الدماء .. لون الورد ولون الثورة .. لون البكارة وخجل العذارى .. لون شفاه العروس وشفاه المومس دون تفرقة .. لون البهجة والأطفال وبالونات العيد .. ولون الرغبة والاشتعال والوهج دون تقييد .. الأحمر .. آه .. لابد من الأحمر ..

"طُز" .. نعم يا صغيرتي "طز" فالملح باللغة التركية القديمة يعني طز وقديما وقت الاحتلال العثماني كان مُعفى من الجمارك غالبا لرخص ثمنه _ شأن كل الأشياء الحقيقية والهامة في الحياة _ فكان التجار حين يمرون على جباة الجمارك يصرخون بصوت عالي : إنه طز ! حتى يمروا دون رسوم .. ورغم ذلك تتطلب الحياة دائما قليلًا من " طُز " حتى نتقبل مذاقها ..

وفي نهاية الأمر لا ننسى قرون الفلفل الحار التي لا غنى عنها وعلى الرغم من الحذر إلا أن الفلفل الحار لابد أن يتسلل بعبقرية لا مثيل لها ليزكم أنوفنا برائحته الأخاذة فنَتِيهُ سُكْرًا وعربدة ولا نكترث لخداعه الماكر ولا نشعر إلا ونحن وسط أنفاسٍ من اللهب وقلب يحترق .. ! ولكن هي الحياة يا جميلتي .. عناء وشقاء .. عذاب خلاق مبدع .. ذلك المزيج الرائع بين الشغف والسأم .. بين النشوة والألم .. بين الواقع والحلم .. هو ما يجعلنا نحيا .. نحيا .. ونحيا ..

أتذكر أنكِ كنتِ دومًا تحبين لصق "الوشم" بين الحين والآخر .. كنتِ تفضلين " وشم " الريشة .. أنا أيضًا لازلت أضعها في مكاني المفضل وأنا أتذكر أغنية قديمة " الدنيا ريشة في هوا " .. يا ريشتي .. بعد عشر سنوات إذا لم يكن بجانبِك شخص رائع حنون الصوت .. مخترق النظرات .. دافئ الأحضان .. يساعدكِ في فرد ثنايا وتجاعيد جسدك المنهك كي تضعي ريشتكِ المفضلة لا تقلقي وتذكري أني هنا دائما .. معكِ ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق